حين غابت الإرادة وحضر الانهيار
انطوان منسى

الرئيس السابق مؤسس لمجلس رجال الأعمال اللبنانيين الفرنسيين في فرنسا HALFA

Wednesday, 24-Jun-2026 07:10

في زمن تكثر فيه الاتهامات وتختلط فيه الوقائع بالانطباعات، تبدو العودة إلى التاريخ والوقائع القانونية ضرورة لفهم ما جرى فعلاً في الأزمة المالية اللبنانية. من هذا المنطلق، يقدّم أنطوان منسى قراءة نقدية لمسؤوليات الدولة والسلطات العامة، بعيداً من الروايات السائدة التي تحاول اختزال الأزمة بعناوين مبسّطة أو أحكام جاهزة.

إنّ بعض الشخصيات السياسية أو الاقتصادية، التي لا تبشّر بالخير على الأرجح، لا تكفّ عن تأجيج الكراهية في النفوس، من خلال نشر مقالات لا تستند إلى أي حجج جدّية. وهي تستغل، عند الاقتضاء، جهل عامة الناس والقراء بالموضوعات الحسّاسة والمعقّدة، وتُخطئ الهدف بشكل فادح في كل تدخّل إعلامي تقوم به.

لكن، ربما ينبغي لنا، قبل كل شيء، أن نلوم أنفسنا، لأننا أوصلنا إلى السلطة، في الانتخابات الأخيرة، بعض الأشخاص غير الأكفاء وغير المسؤولين، الذين لا يستحقون في الحقيقة المناصب التي تحدّد مصير البلاد. فهناك سلوك وطني يفترض أن يرافق الالتزامات التي يتخذها المرء.

 

ولكن، لماذا هذا النداء إلى حسن تقدير اللبنانيين؟ وهل يجب التذكير مرّة بعد مرّة بأنّه، في اليوم التالي مباشرة لحرب الأيام الستة عام 1967، ولمن يتظاهر بنسيان ذلك، اجتمعت الحكومة صباحاً وفرضت على المصارف حظراً على التحويلات إلى الخارج؟ كما يجدر التذكير بأنّ المرسوم المعني صادق عليه مجلس النواب في نهاية بعد ظهر اليوم نفسه، من دون أي تأخير. فقد كانت الإرادة في إيجاد الحلول المناسبة، هي التي غلبت على كل شيء آنذاك.

فأين هي اليوم تلك الإرادة الحكومية التي نفتقدها بشدة، والتي كان من الممكن أن تجنبّنا الأسوأ؟ في الواقع، كان ينبغي لنا أن نتعلّم من تاريخنا. فذكرى وضع بنك إنترا تحت الوصاية عام 1966، والإجراءات الاستثنائية التي أعقبت الهجوم الإسرائيلي على مطار بيروت عام 1968، تشكّل أمثلة صارخة لم يكن من الممكن لأي حكومة أن تتجاهلها.

 

إلّا أنّ ذلك لم يحدث، للأسف. فبعد اندلاع «الثورة»، لم تُقدم الحكومة ولا مجلس النواب على إصدار مرسوم يمنع التحويلات إلى الخارج، ولم يرغبا في القيام بذلك لأسباب مشبوهة وغامضة. ولذلك، يصعب اليوم تحميل المعنيين أو المصارف التي أجرت تلك التحويلات مسؤولية قانونية، إذ إنّ هذه التحويلات اكتسبت صفة «المشروعة» بسبب غياب مرسوم ينص على خلاف ذلك. وإنّ الحديث عن جرم أو مخالفة في هذه الظروف يبدو لي مبالغاً فيه وغير منصف. وفي جميع الأحوال، تبقى الكلمة الفصل للقضاء وحده لإصدار الحكم المناسب في هذا الشأن.

 

كلمة أخيرة بشأن الهندسة المالية التي تشغل عقول كثيرين ممن يُطلق عليهم صفة المفكرين، والتي يحاول العديد ممن يسمّون أنفسهم مستنيرين تجاهلها. ففي ما يتعلق بهندسة عام 2016 تحديداً، أود التذكير بأنّ تطبيقها أتاح تدفق رؤوس أموال بلغت نحو 13 مليار دولار أميركي خلال فترة زمنية قصيرة جداً. فليعترف منتقدوها من مختلف الأطراف بذلك أخيراً، بشرف وتواضع، من دون السعي بأي ثمن إلى جعلها هدفاً مفتعلاً لهجماتهم. إلى درجة أنّهم ينسون أنّ الإصلاحات الضرورية بقيت حبراً على ورق بسبب جمود الدولة، الأمر الذي أدّى إلى دفن خطة «سيدر» وإهمالها، على الرغم من أنّها كانت توفّر للبنان تمويلاً ضخماً بقيمة 12 مليار دولار أميركي. وإلى درجة أنّهم يمارسون، بصورة غير نزيهة، سياسة النعامة، فيغضون الطرف عن مناورات غير صحية، تهدف إلى تغيير معالم القطاع المصرفي بشكل جذري، ومن خلاله تغيير هوية الاقتصاد اللبناني.

 

فأين كانت تلك الإرادة الحكومية التي نفتقدها كثيراً، والتي كان بإمكانها أن تجنّب لبنان الأسوأ؟

الأكثر قراءة